مجد الدين ابن الأثير
134
المختار من مناقب الأخيار
الصفيح ، فاللّه اللّه عباد اللّه ، فإنّ الدنيا ماضية بكم على سنن ، وأنتم والساعة في قرن ، فكأنها قد جاءت بأشراطها ، وأزفت بأفراطها « 1 » ، ووقفت بكم على سراطها ، وأشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلاكلها « 2 » ، وانصرفت « 3 » الدنيا بأهلها وأخرجتهم من حضنها ، فصار جديدها رثّا ، وسمينها غثّا ، في موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيظ زفيرها ، متأجّج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك وقودها ، مخوف وعيدها ، عميق قرارها « 4 » ، مظلمة أقطارها ، فارعوا عباد اللّه ما برعايته يفوز فائزكم ، وبإضاعته يخسر مبطلكم ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، فإنكم مرتهنون بما أسلفتم ، ومدينون بما قدّمتم ، فكأن قد نزل بكم المخوف فلا رجعة تنالون ، ولا عثرة تقالون . وقال من خطبة يصف فيها المنافقين : نحمده على ما وفّق له من الطاعة ، وذاد عنه من المعصية ، ونسأله لمنّته تماما ، وبحبله اعتصاما ، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله من خاض إلى رضوان اللّه كل غمرة ، وتجرّع فيه كلّ غصّة ، وقد تلوّن له الأدنون ، وتألّب عليه الأقصون ، وخلعت إليه العرب أعنّتها ، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها ، حتى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدار وأسحق « 5 » المزار . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، وأحذّركم أهل النّفاق ، فإنهم الضالّون المضلّون ، والزالّون المزلّون ، يتلوّنون ألوانا ، ويفتنون
--> ( 1 ) أزف : دنا وقرب . وأفراط : جمع فرط ، وهو المتقدّم الذي يتقدم غيره . النهاية ومعجم متن اللغة ( أزف ، فرط ) . ( 2 ) الكلاكل : جمع كلكل ، وهو صدر كلّ شيء . اللسان ( كلل ) . ( 3 ) كذا في ( أ ، ل ) ، وفي نهج البلاغة 2 / 130 : « وانصرمت » بالميم ، وهو أشبه بالصواب . ( 4 ) في نهج البلاغة 2 / 132 : « مخيف وعيدها ، غمّ قرارها » . ( 5 ) في ( أ ) : « واستحق » .